وبهذا يتبيَّن أن أحكام الشريعة ثابتة لا تنقلب ولا تتغيّر بتغير الزمان والأعراف، بسبب التقدم والمدنية؛ لأن الإنسان هو الإنسان في أي مكان وزمان، وإنما التغيير طارئ في مظاهر سطحية، فالعبادات هي هي، وهي ربع الأحكام الفقهية، والربع الثاني: هو الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث فإن الرجل فيها هو الرجل، والمرأة هي المرأة مهما تغيّر الزمان، فكلّ منهم يرغب في الآخر، ويسعد به، فلا بُدّ من عقد يجمعهما ويحفظ حقوقهما، ويسمّى الزواج، وإذا تنازعا نحتاج إلى التفرقة بينهما بالطلاق، فلم يبق محل للتغيير إلا ببعض الإجراءات القضائية التي تتبع في تطبيق ذلك، وكذلك فإن الموت سنة الله في خلقه، وإذا مات وبقي وراءه تركته فإنه لا بد من تقسيمها طبق للآيات القرآنية الصريحة في ذلك، فلا يحتمل الأمر التغيير والتبديل؛ لأنه لا جديد فيه، وهكذا ستجد الحكم في الحدود والسرقة واللقطة والوديعة والعارية والهبة وغيرها إلا ما كان في كتاب الإيمان من بناء الأحكام على العرف بمعنى فهم مراد المتكلّم من كلامه من خلال المعنى المشهور لكلامه في العرف إن لم يكن له نيّة، فالعرف ليس له دخل إلا في فهم معنى الكلام المتكلم؛ لنعرف الحكم الشرعي لكلامه.
وبذلك يبقى الأمر في التغيير محصور في المعاملات من بيوع وشركات وأمثالها، ومع ذلك نجد البيع هو بحاله في كل زمان ومكان، إلا ما طرأ عليه صور جديدة تحتاج إلى معرفة أحكامها، وكذلك الشركات فإن الصور التي ذكرها الفقهاء لها وجود في الواقع إلا أنه ظهر أنواع من الشركات وصور من التعامل المادي بسبب انتشار الرأسمالية، وهي تحتاج إلى معرفة حكمهما الشرعي، ولا وسيلة إلى ذلك إلا بتتع كلام الفقهاء وفروعهم، وبناء ما جدّ من مسائل على أصولهم وقواعدهم.
المطلب السادس: شرع من قبلنا: