الصفحة 113 من 439

المبحث الأول

دور عصر النبوة

ينقسم العصر النبوي إلى عهد مكي: كانت التشريعات الفقهية قليلة؛ لاهتمام القرآن بالأمور العقدية وترسيخ مفهوم الإسلام في النفوس، ولعدم وجود مجتمع مسلم مفتقر للتشريعات الخاصة به، وعهد مدني: تجلت فيه التشريعات للفرد والمجتمع في العبادات والمعاملات وغيرها من الهيئة المعروفة بين أيدينا.

ويتميز هذا العصر بما يلي:

أولًا: إن المرجع للأحكام الفقهية فيه هو الوحي، وإن حصلَ اجتهاد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أصحابه - رضي الله عنهم - فيه إلا أن هذا الاجتهاد (1) كان مؤيّدًا بالوحي، فلو أنه لم يصب مراد الله - جل جلاله - لقوِّم إلى ما هو الصواب، فالمعتمد ما أقرّه الوحي من التشريع، قال - جل جلاله -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى( [النحل: 3-4] ، إلا ما اجتهد به مَن بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخارج المدينة المنورة كمعاذ وعلي وعمرو بن العاص وأبو عبيدة وغيرهم - رضي الله عنهم -، فإنهم كانوا يجتهدون فيما يقع لهم من وقائع ويعملون بها مع ابتعادهم عن الوحي، فعن جابر - رضي الله عنه - قال:(غزونا جيش الخبط وأُمِّرَ أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى لنا البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله يقال له: العنبر فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمرّ الراكب تحته، فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول قال أبو عبيدة - رضي الله عنه: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال كلوا رزقًا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو فأكله) (2)

(1) انظر: تفصيل مسألة اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - والاختلاف فيها وأدلة كل فريق: ابن الهمام، التحرير، ص525-528، وابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج3، ص294-301، والغزالي، المستصفى، ص346-347.

(2) البخاري، الصحيح، ج4، ص1586، وابن حنبل، المسند، ج3، ص311، وأبو عوانة، المسند، ج5، ص22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت