المبحث الخامس
دور عصر التقليد
طور الأئمة المجتهدين في المذاهب
بعد أن عاينا بكل جلاء ما كان عليه الفقه منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى الأئمة المتبوعين، وكيف أنّ هؤلاء الأئمة التزموا طريق مَن سبقهم في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها، وظهر غيرهم من المجتهدين، وكانت لهم مذاهب مستقلّة: كسفيان الثوري والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وابن جرير وداود وسفيان بن عيينة والأوزاعي (1) ومنهم مَن قُلِّد مذهبه مدّة من الزمن كالأوزاعي (2) ؛ إذ كان أحد المذاهب المتبوعة مدة من الدهر في الشام، قال السبكي: (( إنه قبل ظهور مذهب الشافعي بدمشق لم يكن يلي القضاء بها والخطابة والإمامة إلا أوزاعي على رأي الإمام الأوزاعي ) ). وقال الأتابكي: (( الأزواعي، فقيه الشام، صاحب المذهب المشهور الذي ينتسب إليه الأوزاعية ) ). ولم يقتصر مذهبه على بلاد الشام فحسب، بل كانت الفتيا بالأندلس تدور على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام. إلا أن مذاهب هؤلاء القوم لم تعد إلا تاريخًا، ينقل شذرات منها في كتب فقه المذاهب المتبوعة.
فإننا في هذا الطور سنكمل المسيرة التي مشى عليه الفقه، فنتعرف أسباب تقليد هؤلاء الأئمة المتبوعين دون سواهم، وأهمية الالتزام بالمذاهب الأربعة، وحقيقة المجتهد في المذهب في هذا الدور، ومميزات هذا الدور في المطالب الآتية:
المطلب الأول: أسباب تقليد المذاهب الأربعة:
(1) علوي بن محمد السقاف، الفوائد المكية فيما يحتاج طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية، طبعة مصطفى الحلبي، ص49.
(2) ابن خلكان، وفيات، ج3، ص127-128، واليافعي، مرآة الجنان، ج1، ص251، والشيرازي، الطبقات، ص71، والزركلي، الأعلام، ج4، ص94، وعقلة، الحركة العلمية، ص303، وعبد الرزق الصفار، الإمام الأوزاعي ومنهجه كما يبدو في فقهه.