اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون حفظ الأحكام الفقهية في هذه المذاهب التي بين أيدينا، قال - جل جلاله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( [الحجر: 9] ، ومن هذه الحكمة ما ذكره ابن رجب - رضي الله عنه -(1) : (( فإن قال أحمق متكلّف: كيف يحصر الناس في أقوال علماء متعينين ويمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين.
قيل له: كما جمع الصحابة - رضي الله عنهم - الناس على حرف واحد من حروف القرآن ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان؛ لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا بذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك.
فكذلك مسائل الأحكام وفتاوى الحلال والحرام، لو لم تضبط الناس فيها بأقوال أئمة معدودين؛ لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يعد كلّ أحمق متكلف طلبت الرياسةَ نفسه من زُمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض مَن سلف من المتقدّمين، فربما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم، كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين، وربما كانت تلك المقالة زلّة من بعض مَن سلف قد اجتمع على تركها جماعة من المسلمين، فلا تقتضي المصلحة غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورة - رضي الله عنه - )) .
وقال الإمام السيوطي - رضي الله عنه: (( اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملّة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سرٌّ لطيف أدركه العالِمون، وعَمِي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة ) ) (2) ، فمن الأسباب لهذا التقليد على عجالة:
(1) عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (ت795هـ) ، الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، تحقيق: د. وليد بن عبد الرحمن، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، 1418هـ (ط1) ، ص30-31.
(2) عوامة، أدب الاختلاف، ص25، عن جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي.