المبحث الثاني
دور عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
من المناسب لإعطاء تصور صحيح عن الفقه في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - أن نعرض لمظاهر الفقه فيه، وعدد المجتهدين فيه، ومميزاته في مطالب
المطلب الأول: مظاهر هذا العصر:
أولًا: متابعة الصحابة - رضي الله عنهم - لهدي نبيّهم - صلى الله عليه وسلم - في الرجوع إلى القرآن ثمّ السنة في معرفة الأحكام الفقهية، فإن لم يجدوا فيهما اجتهدوا برأيهم؛ لبيان مقصود الله - جل جلاله - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما لا نصّ فيه مما يجد من مسائل، ويتجلّى ذلك في الفروع العديدة التي رويت عنهم - رضي الله عنهم - كما في (( مصنف عبد الرزاق ) )و (( مصنف ابن أبي شيبة ) ).
ويدل عليه أيضًا النصوص الواردة عنهم - رضي الله عنهم - في اجتهادهم باستعمال رأيهم في استنباط الأحكام على مراد الشارع كما سبق، ومنها: عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رجلًا تزوج امرأة فلم يفرض لها ولم يمسّها حتى مات قال: فردّهم، ثم قال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأً فمنّي، أرى لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، قال: فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: أشهد أنّك قضيت فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع ابنة واشق، ففرح عبد الله بذلك وكَبَّر (1) . قال الإمام الكوثري (2) : (( والقول المحتم أن فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم جروا على القول بالرأي بمعنى: استنباط حكم النازلة من النصّ، وهذا من الإجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها ) ).
(1) ابن الجاورد، المنتقى، ج1، ص179، وابن حبان، الصحيح، ج9، ص409، والحاكم، المستدرك، ج2، ص196، وأبو داود، السنن، ج2، ص237.
(2) الكوثري، مقدمة نصب الراية، ص285.