الصفحة 128 من 439

المبحث الثالث

دور عصر التابعين وتابعيهم

طور التأسيس للمذاهب الفقهية

وسمِّي بطور التأسيس؛ لما فيه من بيان لأساس كلِّ مذهب من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -؛ إذ أن الصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة؛ ليعلموا أهلها هذا الدين الحنيف، فتكوَّن لديهم التلاميذ الذي حملوا فقههم إلى مَن بعدهم حتى وصل إلى أئمة المذاهب، حيث ارتكزوا فيما ذهبوا إليه من مسائل على فقه هؤلاء الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -.

وأبرز الأمصار التي ظهر فيها فقه الصحابة والتابعين ومن تبعهم هي الكوفة والمدينة ومكة والشام والبصرة ومصر واليمن، لكن المقام لا يتسع لعرض الفقه في جميع هذه البلاد، فسنكتفي بعرض موجز؛ لفقه الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - الكوفة والمدينة لما كان له تأثير فقه المذاهب التي تكونت في هاذين المصرين، وهما المذهب الحنفي، والمالكي، ويقاس عليهما غيرهما من المدن.

المطلب الأول: فقه التابعين وتابعيهم في الكوفة:

فتحت العراق في عهد عمر - رضي الله عنه -، على يد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -، فأمر عمر - رضي الله عنه - ببناء الكوفة سنة (17هـ) ، وأسكن حولها الفصّح من قبائل العرب (1) ، وكتب إلى أهل الكوفة: (( أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عمارًا أميرًا وعبد الله قاضيًا ووزيرًا، وإنهما من نجباء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممّن شهد بدرًا فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بهما على نفسي ) ) (2) .

وتوطَّن في الكوفة نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدريًا، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها، وكان الأثر البارز في فقه أهل الكوفة لابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -، فنقتصر بالكلام عليها ثم عن تلاميذهم من التابعين وأتباعهم بإيجاز، فنقول:

(1) الكوثري، مقدمة نصب الراية، ص301.

(2) الشيرازي، طبقات الفقهاء، ص24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت