رابعًا: إقرار الشارع لتقليد المجتهدين: فإن تقليد العوام للعلماء المجتهدين بدأ من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد من الشارع الحكيم قال - جل جلاله: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( [النحل: 43] ، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد كما في بعث معاذ - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - إلى اليمن، واجتهادهم لا يكون إلا فيما لا نصّ فيه مما وقع لهم من حوادث ومسائل سئلوا عنها؛ ليقلدهم الناس فيها.
أضف إلى ذلك إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لاجتهادات صحابته - رضي الله عنهم - في المدينة وتقليد غيرهم لها، قال سهل بن أبي حثمة: (( كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - ) ) (1) ، وقال الإمام الكوثري (2) : (( وقد درب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحابة - رضي الله عنهم - على الرأي والاستنباط في أحكام النوازل غير المنصوص عليها من المنصوص، بإرجاع النظير إلى النظير، وكان المجتهدون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون بالرأي وكذلك الفقهاء من التابعين ) ).
(1) أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) ، طبقات الفقهاء، تحقيق: خليل الميس، ييروت، دار القلم، ص20.
(2) محمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ) ، تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، القاهرة، المكتبة الأزهرية للتراث، 1419هـ (ط1) ، ص168.