إن الإسلام بتشريعاته باق إلى يوم القيامة، والمصالح تتجدَّد دون تناه، وكلّ مستجد يحتاج إلى إعطائه حكمًا شرعيًا، وإن لم نضع لها حكمًا تتعطَّل كثيرٌ من مصالح الناس في مختلف الأمكنة والأزمنة، وعندئذ يعجز الإسلام عن مسايرة تطورات الناس ومصالحهم، وهذا مناف لديمومة الشريعة الإسلامية.
إن مَن تتبع ما فعله الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون والأئمة المجتهدون يرى أن كثيرًا من الأمور قالوا بجوازها أو شرعوها ولم تكن في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، ومحاربة مانعي الزكاة، وترشيح عمر - رضي الله عنه - للخلافة، ووضع الخراج ودوَّن الدواوين واتخذ السجون، وعثمان - رضي الله عنه - وحَّد القرآن بمصحفٍ واحدٍ، وورث زوجةَ مَن يطلِّق زوجتَه في مرض موته إذا مات وهي في العدة؛ لأنه فار من إرثها. والحنفية حجروا على المفتي الفاسق والطبيب الجاهل؛ لأنهما يضران الناس، والمالكية جوَّزا حبس المتهم وتعزيره توصلًا إلى إقراره.
وذهب البعض إلى عدم اعتبارها أصلًا قائمًا بذاته، بل ادخلوها في باب القياس، ومنهم الشافعية والحنفية (1) ، واستدلوا على ذلك بما يأتي:
إن الشريعة راعت كلّ مصالح الناس بنصوصها وبما أرشدت إليه من القياس، والشارع لم يترك الناس سدى، ولم يجعل أي مصلحة من غير إرشاد إلى تشريع لها، وإن أي مصلحة لا دليل لها من الشارع، فهي مصلحة وهمية لا يصح بناء التشريع عليها.
إن فتح هذا الباب يفتح بابًا لأهل الأهواء أن يقولوا بالمصلحة لكلّ ما ترغبه نفوسهم فقد يجعلون من المفاسد مصالح فينفتح باب الشرّ.
ومن المصالح المرسلة المعاصرة:
تنظيم حركة المرور ووضع علاقات للسير والوقوف والعبور
(1) ابن الحاجب، شرح المختصر، ج2، ص343، السبكي، جمع الجوامع، ج2، ص282، الشوكاني، إرشاد الفحول، ص792 -722-794، والآمدي، الإحكام، ج2، ص167 الشاطبي، الاعتصام، ج2، ص98-105.