والاستحسان يراه الحنفية وبه قال مالك - رضي الله عنهم -، وأما قول الشافعي - رضي الله عنه: (مَن استحسن فقد شرع) ، فالمرادُ به الاستحسان الذي لم يعتمد على دليل شرعي آخر، بل ما استحسنته العقول وهو موضع إنكار من الجميع، والشافعي - رضي الله عنه - تلفظ بالاستحسان في أمور منها: أنه قال: (( استحسن في المتعة أن تقدر بثلاثين درهمًا ) )، وقال: (( رأيت بعض الحكام يحلف على المصحف وذلك حسن ) )، وقال في مدة الشفعة: (( واستحسن ثلاثة أيام ) )، وقال: (( استحسن أن يترك السيد شيئًا من نجوم الكتابة ) ).
يقول السمعاني: (( إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل لا أحد يقول به ) ).
وإذا أمعنا النظر في استدلال القائلين به والمنكرين له، فإنا لا نجد خلافًا بين الطرفين، فالكلُّ يقولون بمشروعية: أي حكم ثبت استحسانًا إلا أن الخلاف في إطلاق الاسم على ذلك، وإن ما استدل به المنكرون يقول به المثبتون بأن كل استحسان ليس مبنيًا على دليل، بل منطلق من الهوى والتشهي فهو مرفوض (1) .
المطلب الثالث: الاستصحاب:
أولًا: تعريفه:
لغة: المصاحبة أو استمرار الصحبة والتمسك بالشيء (2) .
اصطلاحًا: هو بقاء الحكم على ما كان عليه في الماضي حتى يقوم الدليل على تغيره (3) .
ثانيًا: صور الاستصحاب المتفق على حجيتها:
استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه: كبقاء ملكية الأشياء التي تثبت ملكيتها بما يقتضي الملكية: كالبيع والهبة والإرث والصدقة ما دامت بيد مستغلها، ودوام الزواج وحل الوطء إذا تقرر صحة النكاح، فهذا يجب العمل باستصحاب الحال إلى أن يثبت خلاف ذلك اتفاقًا.
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج8، ص95، والآمدي، الإحكام، ج2، ص162، والرازي، الفصول، ج4، ص234، والكوثري، مقدمة نصب الراية، ص291، وأبو زهرة، أبو حنيفة، ص351.
(2) الفيومي، المصباح المنير، مادة صحب ج1، ص454.
(3) الشوكاني، إرشاد الفحول، ص774، وخلاف، أصول الفقه، ص91.