ناهيك ما جاء فيه من إيجاز في موضع الإيجاز والإطناب في موضع الإطناب. وكتاب هذا إعجازه ليس من قول بشر، بل من خالقهم فما يرد فيه يكون حجّة وعلى الناس أن يلتزموا به قال - جل جلاله: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ } [الأنعام:155] .
المطلب الثالث: مكانة القرآن التشريعية:
وبعد أن ثبت أنه من الله - جل جلاله - فإنه يعد هو المصدر الرئيس والأساس للتشريع الإسلامي، وأن له المكانة الأولى من بين المصادر الأخرى؛ لأنه وردنا بصورة قطعيّة من حيث ألفاظه، فإنه وردنا متواترًا جيلًا عن جيل دون تحريف أو تغيير أو تبديل لأن الله - جل جلاله - تكفَّل بحفظه بقوله - عز وجل: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر:9] ، بخلاف الكتب السابقة، فإن حفظها وُكِلَ إلى من جاءت إليهم، قال - جل جلاله: { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ } [المائدة:44] ؛ لذا أوجب الله الإيمان بجميع ما ورد فيه ومن أنكر آية منه فهو كافر ومرتد.
ومدلولات نصوص القرآن تنقسم إلى قسمين:
قطعية الدلالة: ما لا يدل إلا على معنى واحد دون خلاف مثل قوله - جل جلاله: { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } [البقرة:43] ، ومثل آيات تحريم الربا والزنا فمدلولاتها يجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ومَن يُنكر تلك المدلولات فهو مرتد.
ظنية الدلالة: ما احتمل عدّة معانِ مثل معنى القرء في قوله - جل جلاله: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ } [البقرة:228] تحتمل الطهر والحيضة، ودلالة الآية على واحد منها ظنية (1) .
(1) خلاف، علم أصول الفقه، ص34-35 مع إضافات.