أنه معجز بألفاظه ومعانيه وأحكامه؛ إذ جاءت عباراته متناسقة بأساليب متعددة مع التفاتات بليغة، وقد جاء بأحكام كثيرة ومختلفة منها الكوني، ومنها الاجتماعي، ومنها الوجداني، فليست هذه الآية أبلغ من الأخرى، وليس هذه الأسلوب أفصح من الآخر، فلا تعارض ولا تناقض، وجاء معبّرًا عن واقع الحال، قال - جل جلاله: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } [النساء:82] .
وما جاء في ظاهره متعارضًا فإن أهل العلم وفّقوا بينه ونفوا عنه ظاهرة التعارض، ونمثل لذلك بمثال هو: قوله - جل جلاله: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم } [البقرة: 284] ، تدلّ على أن الإنسان سيحاسب عما يخطر بباله من سوء مع أنه لا إرادة له بما يخطر في النفس ولا وسع له في صرفه، ثمّ نقرأ بعد { لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [البقرة:286] ، فهذه آية تنفي ما يخطر ببال الإنسان؛ لأنه ليس في وسعه، وقد تبيّن أنه لا تعارض؛ لأن الثانية جاءت ناسخة لحكم الأولى وهكذا.
أنه معجز من حيث إخباره عن أحداث وقعت في الأمم السابقة، أو مع أنبيائهم، أو حوادث ستقع ووقعت فعلًا مع أنه نزل في بيئة أمية لا كتاب لديهم ولا ثقافة ولا معلومات تاريخية ولا كتب أخبار، من ذلك: غلبة الروم على الفرس بعد أن غلبَهم الفرس في قوله - جل جلاله: { غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } [الروم:2-4] ، وقد حصل ذلك، وكثير من الأمور التي اخبر عنها وقعت كما أخبر