وما ورد من نهي غير حتمي سمّوه مكروهًا كراهة تنزههية.
وسبب زيادة خطاب الوضع عند الحنفية أنهم قسَّموا المنهي عنه نهيًا حتميًا إلى نوعين:
ما ورد النهي عنه لأصله ووصفه أطلقوا عليه البطلان، مثل: بيع الميتة والدم، والصلاة بدون طهارة، وبيع الوقف.
وما ورد النهي لوصفة فقط وأصله صحيح أطلقوا عليه الفساد، فإذا باع الإنسان دارَه لآخر واشترط في العقد أن يسكنَه البائع شهرًا فالبيع فاسد وليس باطلًا.
والأثر المترتب على هذه التفرقة هي:
أن الباطل لا يمكن أن يعود صحيحًا بوجه من الوجوه، ولا تترتب عليه صحة عقد، ولا سقوط واجب.
أما الفاسد فإنه بمجرد أن يزال الوصف المفسد له انقلب صحيحًا، ولا حاجة إلى إعادة العقد.
فمَن شرط على المشتري للدار سكناه شهرًا يصحّ العقد بمجرد إلغاء الشرط.
وفي العبادات: لو نذر صوم يوم العيد وصامَه فإن الصوم صحيح عند الحنفية ويجزئ عن النذر مع الإثم؛ لأن الأصل وهو صيام اليوم غير منهي عنه، بل النهي لأجل الوصف الحاصل، وهو الإعراض عن ضيافة الله ببسط الطعام فيه.
أما الجمهور فإنهم جعلوا الفاسد والباطل مترادفين، فالباطل يقال عنه فاسد، والفاسد يقال عنه باطل عندهم (1) .
المطلب الثالث: تفصيل أقسام الخطاب:
أولًا: خطاب التكليف:
الأول: الواجب:
وهو فعل يستحقّ الذم والعقاب على تركة من غير عذر؛ لأنه طلب فعله من المكلّف طلبًا حتميًا، مثل قوله - جل جلاله: { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } [البقرة:83] ، وقوله - جل جلاله: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } [البقرة:183] ، وقوله - عز وجل: { وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } [آل عمران: 97] ، وقوله - جل جلاله: { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } [النساء:24] ، وقوله - جل جلاله: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [الإسراء:23] .
(1) السبكي، جمع الجوامع، ج1، ص105-107، والسمرقندي، الميزان، ج1، ص323.