فيلاحظ موافقة الماتريدية الأشاعرة في أنه لا يعرف حكم الله إلاّ بواسطة رسله وكتبه ويخالفونهم في أن الفعل لا يكون حسنًا إلاّ إذا طلب الله - جل جلاله - فعله، ولا يكون قبيحًا إلاّ إذا طلب الله - عز وجل - تركه، فهم يتفقون في النتيجة ولكنهم يختلفون في المقدمات، فقالوا: لا توصف الأفعال بحسن ولا قبح قبل ورود الشرع، والشرع يراعي في أحكامه مصالح العباد، والعقل قد يستقل بدرك ما في الفعل من حسن أو قبح إلاّ أنه لا ثواب ولا عقاب ولا تكليف ولا حكم إلاّ بالشرع، وهذا لأن العقول مختلفة المدارك مهما نضجت، كما أنها تخطيء؛ فلذا لا يلزم أن يكون ما حسّنه العقل حسنًا قبل أن يرد به شرع، ولا تلازم بين أحكام الله - جل جلاله - وما تدركه العقول، فالثواب والعقاب والمدح والذمّ أمورٌ شرعية، وتتوقَّفُ على البعثة وبلوغ الدعوة وهذا ما يتفق عليه الماتريدية والأشاعرة.
بينما يظهر أثر الخلاف في حكم تكليف مَن نشأ في ذروة جبل منفردًا، فالمعتزلة قالوا: بتكليفه بما هداه إليه عقله، ويمدح ويذم ويثاب ويعاقب، بينما لم ير الأشاعرة والماتريدية تكليفه وإن أدرك في بعض الأفعال حسنًا أو قبحًا فلا يترتب على إدراكه هذا ثواب ولا عقاب لعدم بلوغ الدعوة إليه، كما تظهر ثمرة الخلاف في حقّ أهل الفترة فهم يثابون على فعل الطاعات ويعاقبون على فعل المحرمات عند المعتزلة، ولا يثابون ولا يعاقبون عند الآخرين (1) .
وعلى ضوء ما سبق يظهر اتفاق جميع المسلمين على أن الحسن ما حسّنه الشرع، وأن القبيح ما قبّحه الشرع بعد البعثة ونزول الكتاب، فلا يترتب على الاختلاف السابق أثر بالنسبة للمكلفين الذين بلغتهم الدعوة، فكلّ فعل أمر به الشارع فهو حسن ومطلوب فعله ويثاب فاعله، وكلّ فعل نهى عنه الشارع فهو قبيح ومطلوب تركه ويعاقب فاعله.
(1) صدر الشريعة، التوضيح، والتفتازاني، التلويح، ج1، ص173 .