وأثر الاختلاف وثمرته إنما يظهر بالنسبة لمَن لم تبلغهم شرائع الرسل في زماننا مثلًا أو قبل البعثة الذين يطلق عليهم اسم أهل الفترة، فعند الأشاعرة هم ناجون ولا يثابون على فعل ولا يعاقبون على غيره،وأن أمرهم راجع إلى الله - جل جلاله -، بينما يرى المعتزلة أنهم مكلّفون ومحاسبون إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرّ، في حين يرى الماتريدية أنهم مكلّفون بالإيمان بالله تعالى فقط، ولا يحاسبون ولا يعاقبون على غيره.
المطلب الثاني: المحكوم فيه:
المحكوم فيه وقد يعبّر عنه بالمحكوم به ولكن التسمية الأولى أفضل وأولى (1) ، وهو: فعل المكلّف الذي تعلَّق به الحكم الذي هو خطاب الشارع؛ ذلك لأن كلّ حكم من الأحكام الشرعية لا بُدَّ له من متعلّق من أفعال المكلفين، فإذا كان الحكم تكليفيًا، فإن متعلقه لا يكون إلا فعلًا للمكلف، أما في الحكم الوضعي فلا يشترط في متعلّقه أن يكون دائمًا فعلًا من أفعال المكلف، فقد يكون فعلًا للمكلّف وهذا الفعل قد يكون سببًا أو شرطًا أو مانعًا كما في العقود والجرائم، فالقتل العمد العدوان سبب لوجوب القصاص على القاتل، وقد لا يكون فعلًا للمكلف ولكن يرجع إلى فعله ومرتبطًا به كشهود شهر رمضان الذي جعله الشارع سببًا لوجوب الصيام، والصيام فعل المكلف، وكدلوك الشمس الذي جعله الشارع سببًا لوجوب الصلاة على المكلف، فإنّه ليس فعلًا للمكلف، ولكنّه ارتبط بفعل المكلّف من ناحية أن الدلوكَ سببٌ لوجوب الصلاة التي هي فعل من أفعال المكلف.
تبينا مما سبق أن الأحكام تتعلق بفعل المكلف ابتداءً أو انتهاء، ومن هنا قال الأصوليون: (( لا تكليف إلاّ بفعل ) ) (2) ، إلاّ أن هذا الفعل لا بد أن تتوفر فيه شروط حتى يصح التكليف به وجوهر هذه الشروط شرطان هما:
(1) أمير بادشاه البخاري، تيسير التحرير، ج2، ص328.
(2) أبو العينين، أصول الفقه الإسلامي، ص300.