الصفحة 384 من 439

كما يروا أن حكم الله - عز وجل - على الأفعال يكون بحسب ما تدركه العقول من النفع أو الضرر، فيطلب الله - عز وجل - من المكلّفين فعل ما فيه النفع بحسب ما يدركه العقل، ويطلب ترك ما فيه ضرّرهم حسب ما يدركه العقل، وأن الشرائع مؤكدة لحكم العقل فيما يعلمه، ويلاحظ على مبدأ المعتزلة أن الشرع تابع للعقل.

المذهب الثالث: وهو رأي الماتريدية (1) ، وهو ما ذهب إليه محققوا الحنفية وبعض الأصوليين، وهو رأي بعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن تيمية وابن القيم، وهذا المذهب وسط بين المذهبين السابقين، حيث يرى أصحاب هذا المذهب كالمعتزلة أن الحسنَ والقبحَ عقليّان لا شرعيّان، فلو كانا شرعيين ولا يعرفان إلاّ بالشرع لكانت الصلاة والزنا مثلًا متساويين قبل بعثة الرسل، فجعل أحدُهما واجبًا والآخر حرامًا ليس أولى من العكس، وهم بهذا يوافقون المعتزلة ولكنهم يخالفونهم في أن حكم الله لا بدّ وأن يكون على وفق حكم العقل، وفي أن ما أدرك العقل حسنه فهو مطلوب فعله، وما أدرك العقل قبحه فهو مطلوب تركه.

لذلك قال الماتريدية: إن هذا الحسنَ والقبحَ العقليين لا يقتضي طلب الحسن أو ترك القبيح في الدنيا، ولا يقتضي الثواب أو العقاب في الآخرة؛ لأن الثوابَ والعقابَ على الأفعال من وضع الشارع،ومتوقف على الشرع والرسل. يقول ابن تيمية: (( الحسن والقبح ثابتان،والإيجاب والتحريم بالخطاب والتعذيب متوقف على الإرسال ) ) (2) .

(1) هم اتباع أبي الحسن الماتريدي (ت333هـ) وأكثرهم من الحنفية.

(2) الزحيلي، أصول الفقه، ص371، نقلا عن شرح الكوكب المنير،ج1، ص302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت