كما يترتب على ذلك أنه لا يجب على الله - جل جلاله - أن يحكم بحسن ما رآه العقل حسنًا، وأن يطلب فعله من الناس، ويوجبه عليهم، ولا يجب عليه أن يحكم بقبح ما رآه العقل قبيحًا وأن يطلب من الناس تركه؛ لأن إرادة الله - جل جلاله - مطلقة، وهو خالق الحسن والقبيح، فله أن يشرع ما شاء، على مَن شاء من غير منفعة أصلًا، ولكن يثبت بالاستقراء أن الله - عز وجل - شرع أحكامه لتحقيق مصالح العباد تفضلًا منه وإحسانًا، وإذا لم تظهر لنا المنفعة والمصلحة، فيكون الوجوب الشرعي لفائدة في الآخرة قطعًا (1) .
المذهب الثاني: رأي المعتزلة حيث يرون ـ كما سبق قوله ـ أن العقل قد يستقل بدرك حكم الله - جل جلاله - في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسل الله وكتبه، ومبنى ذلك عندهم أن كل فعل من أفعال المكلفين فيه صفات وآثار تجعله ضارًّا أو نافعًا، فيستطيع العقل بناء على صفات الفعل وما يترتب عليه من منافع ومضار أن يحكم بأنه حسن أو قبيح.
ويكون حكم الله - جل جلاله - على الأفعال على حسب ما تدركه العقول من نفعها أو ضررها، فالله - عز وجل - لا يطالب المكلفين بفعل ما فيه ضررهم حسبما تدرك عقولهم، فما رآه العقل حسنًا فهو مطلوب لله فعله، ويثاب فاعله، وما رآه العقل قبيحًا فهو مطلوب تركه ويعاقب فاعله.
ويترتب على ذلك أن مَن لم تبلغهم دعوة الرسل والشرائع مكلّفون من الله - جل جلاله -بفعل ما يهديهم عقلهم إلى حسنه ويثابون من الله - عز وجل - على فعله، وأنهم مكلّفون بترك ما يهديهم عقلهم إلى قبحه ويعاقبون من الله - جل جلاله - على فعله، فيمكن إدراك تلك الأحكام قبل أن ترد الشرائع فيها.
(1) الآمدي، الإحكام، ج1، ص89.