المذهب الأول: رأي الأشاعرة (1) ومَن وافقهم من الفقهاء، وهو قول جمهور الأصوليين حيث يرون أن العقل لا يستطيع أن يتعرَّف على حكم الله - جل جلاله - إلا بوساطة الرسل المرسلين والكتب المنزّلة، وذلك لأن العقول مختلفة المدارك فبعضها يستحسن ما يستقبحه البعض الآخر، بل إن الشخص الواحد قد يتغيّر حكمه على الشيء الواحد، وكثيرًا ما يغلب الهوى على العقل؛ لهذا كان الحاكم على الفعل الواحد بالحسن أو القبح هو الشرع لا العقل، فلا يكلّف الشخص من الله - جل جلاله - بفعل أو ترك إلا إذا بلغته الدعوة وعرف ما شرعه ربّه، فلا ثواب على فعل ولا عقاب على ترك إلاّ إذا علم ذلك من طريق رسل الله - عز وجل -، وعرف ما يجب عليه فعله وما هو مطلوب منه تركه، وعلى هذا فما أمر الله - جل جلاله - به كان حسنًا يمدح فاعله ويثاب، وما نهى الله - جل جلاله - عنه كان قبيحًا يذم فاعله ويعاقب، فلا تكليف في رأيهم إلا بالشرع.
وعليه فإن الأفعال الصادرة من الناس في زمن الفترة (2) أو مَن عاش في عزلة تامّة فلم تبلغه دعوة النبي أي ما قبل ورود الشرع لا حكم لهذه الأفعال من جهة الشرع، فلا يجب إيمان ولا يحرم كفر حيث لا خطاب موجه إلى الناس، فلا يكون هناك حكم شرعي يتعلّق بأفعالهم على جهة التكليف، ومَن ثم فلا ثواب لهم ولا عقاب عليهم فيما يفعلون أو يتركون؛ لأن الثناء والشكر والتكليف واجب بالشرع لا بالعقل، يقول - جل جلاله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [الإسراء: 15] ، ويقول - عز وجل: { رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [النساء: 165] .
(1) هم أتباع أبي الحسن الأشعري (ت324هـ) ومن وافقه كأكثر الشافعية.
(2) أهل الفترة هم الذين عاشوا بعد موت رسول وقبل مبعث رسول.