ثانيًا: ضعف العمل بالعلم، فمن الملاحظ عدم التزام بعض الدارسين للعلوم الشرعية بأحكامها، والانفصام بين سلوكهم وتخصصهم، ومعلوم أن ديننا دين علم وعمل، ولا نتعلم إلا لنعمل ونُعَلِّم، لا مجرد المجادلة والمناقشة والرياء والجاه وغيرها، قال - جل جلاله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف:2] .
فمغريات الحياة العصرية غررت بهم، واستهوت قلوبهم، وملأت نفوسهم، وإقبالهم على دارسة تخصص لا يرغبونه لقلة فرصه بالعمل وكسب المال، وإنما حملهم عليه ضعف تحصيلهم الثانوي، ودفعهم للرسوم الجامعية وأثمان ما يدرسون من المواد قلل من إخلاصهم للعلم واحترامهم لأهله، ومشاهدتهم لسلوك بعض المدرسين بما لا يتوافق مع نظرتهم لأساتذة الشريعة، وعدم اعتناء الدراسة بالمواد الروحانية المربية والمهذبة للنفس من علم التصوف والتربية وغيرها يترك فراغًا كبيرًا كذلك؛ لهذه الأسباب وغيرها لم نعد نرى في طالب الشريعة الصورة المثالية له التي يريدها المجتمع منه.
في حين أن دراسة الطلبة على أيدي المشايخ الفضلاء يكسبهم الأدب والالتزام قبل العلم، فلا يتعلمون شيئًا حتى يعملون به، ويرون في شيخهم الشخصية المثالية في العلم والعمل؛ لما يجدون فيه من الإخلاص والتفاني في تدريسهم، وسلوكه المستقيم في المعاملة، وبرهم وإحسانه لهم، وعدم تلقيه الأجر منهم جزاء تدريسه، وصدق نصحهم وإرشادهم، فيكونون نبراسًا حيًا لعلمهم، وأنموذجًا خيرًا لدينهم وأهله.
ومن السبل لنا في معالجة ما سبق:
العناية بتدريس العلوم الشرعية على حقيقتها الصحيحة من خلال مذهب فقهي أو عقدي أو سلوكي من بداية دارسة الطالب الجامعية حتى انتهائه، كي يتمكن من ضبط الفقه بدقائقه وأسسه المتينة، ويعمل بما علم وينقله لغيره، دون فوضى واضطراب.