فمثلًا في المقررات الفقهية صار التدريس معتمدًا إلى حدٍ كبيرٍ على المقارنة بين المذاهب الفقهية والترجيح بينها، فالطالب بهذه الطريقة لا يدرس في المادة إلا أمهات المسائل الفقهية مع الخلاف فيها وأدلتها الإجمالية، فلا يتمكن من ضبطها؛ لأن الفقه هو الفروع التفصيلية، وهو لا يدرسها أيضًا وإنما الذي درسه مسائل كلية عامة، ولا يتكون عنده الملكة الفقهية الكاملة في إدراك المسائل؛ لعدم معرفته بالفروع، ويهون الفقه عليه لما احتواه من خلاف، وعدم إدراكه لدقة فهم المجتهدين بجعلهم الفروع المتشابه في سلك واحد، ويتجرّأ على الفتوى في الدين لجهله بحقيقة العلم ووعورته، فيقع عليه النهي الوارد: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) (1) ، ويهون الطالب على نفسه، فيهون على الناس؛ لضعفه العلمي الظاهر، وعدم تميّز نفسه عن الآخرين بالعلم الرافع لها: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9] .
ويضعف الورع والتقوى في قلبه؛ لأن في دراسته إعانة لشيطان نفسه عليه، ففي كل مسألة لديه أقوال للفقهاء تميل نفسه مع أيسرها وأخفها عليه إن لم تتركها مطلقًا، وتقول: في المسألة خلاف وسعة وفي ذلك رخصة لي بعدم التزامها وتطبيقها في حياتي، وكذلك لا ينزل أئمتنا المجتهدين منزلتهم من الاحترام والتقدير والتوقير، فيعد حاله مثلهم، ويُرجِّحُ بلا مُرجِّح لضعفه الظاهر في الحديث بعدم قدرته على تخريج حديث، وقلّة بصيرته بعلم الأصول وقواعده لكل مذهب، وإنما يميل مع ما تميل ظاهر العبارات والنصوص وإن كانت ضعيفة أو ما شابه ذلك.
(1) رواه ابن عدي عن عبد بن جعفر مرسلًا. ينظر: كشف الخفاء 1: 51، وغيره.