الصفحة 213 من 439

إن كثرة التلاميذ الذين تلقوا على الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومنهم من كان اهتمامه بسماع وجمع أجوبة الإمام مالك - رضي الله عنه - في المسائل الفقهية، وكانوا يدوّن بعضهم ما يسمعه من الأجوبة عن الإمام مالك - رضي الله عنه - لنفسه، وممن كانت لهم أسمعة مدونة: علي بن زياد، وزياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون، وعبد الله بن وهب، وأشهب، وابن القاسم، وابن الماجشون، وعيسى بن دينار، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، وهذه الأسمعة هي أصل ما بعدها من المدونات.

وكان التدوين الفعلي في المذهب على يد أسد بن الفرات الذي سمع (( الموطأ ) )من علي بن زياد بتونس، وتلقى عنه العلم، وارتحل إلى المشرق فجاء إلى مالك - رضي الله عنه -، فسمع منه (( الموطأ ) )، وانضم إلى تلاميذه، وصار يسأله عن المسائل كما يسألون، ويسمع منه ما يسمعون، إلا أنه وجد حائلًا يحول بينه وبين ما كان يشتهي من الزيادة في توجيه الأسئلة وكثرة التفريع، فوجهه الإمام مالك إلى العراق ليجد رغبته كما يريد، ولم يكن توجيهه إياه توجيه كراهية وطرد، وإنما كان توجيه نصح وإرشاد إلى البيئة التي تصلح مع نزعته وميله.

فتوجه أسد إلى العراق وحطَّ رحاله بالكوفة، فلقي فيها أصحاب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه: أبا يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما، فسمع منهم ودارسهم وتفقه بهم، لا سيما محمد بن الحسن الذي لازمه مدة لقي فيها ترحابًا منه وإكرامًا، ووجد عنده بغيته، فأكثر من السماع عليه ومن طرح الأسئلة، ومنحه محمد بن الحسن وقتًا كبيرًا، فقد شكا إليه أسد قلة السماع في حلقات درسه العامة بالنهار، فجعل له ليله كله خاصًا به، فجمع منه علمًا كثيرًا حتى صار من المناظرين من أصحابه (1) .

(1) الطاهر، منهج كتابة الفقه المالكي، ص59-63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت