الصفحة 214 من 439

ثم انصرف من العراق إلى المدينة المنورة ليسأل بها أصحاب مالك - رضي الله عنه - عن المسائل التي تلقاها من محمد بن الحسن - رضي الله عنه - ولم يجد عندهم ما يطلبه، بل أشاروا إليه بالرحيل إلى أصحاب مالك بمصر فارتحل، ولما وصل إلى مصر قدم إلى عبد الله بن وهب، وقال له: هذه كتب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك فتورع ابن وهب وأبى (1) .

وقريب منه حصل له مع أشهب، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب وصار يجيبه على أسئلته: السؤال تلو السؤال، حتى نفد ما لديه من الأسئلة وانقطع، مقتصرًا في أكثر ذلك على الإجابة بقول مالك - رضي الله عنه -، وما شك فيه قال: أظنه، وأخاله، وأجاب في بعضها برأيه على أصل قول مالك - رضي الله عنه -، حتى صار ما لديه من ذلك ستين كتابًا، مجموعة عنده ومدونه، فصار يطلق عليها اسم (( المدونة ) )، و (( كتب أسد ) )، و (( الأسدية ) )، ولم تكن مرتبة الأبواب والمسائل، فصار يطلق عليها أيضًا (( المُخْتلِطة ) )، وبعد اكتمال جمعها انتسخها منه أهل مصر، ثم حملها أسد راجعًا بها إلى القيروان، فنشرها هناك، وأخذها عنه الناس، وحصلت له بسبب ذلك رئاسة، وانتشر علمه في الآفاق (2) .

وابن وهب - رضي الله عنه - يغلب عليه الرواية فمثله لا بد وأن يأبى، وأما ابن القاسم - رضي الله عنه - فقد لازم مالكًا نحو عشرين سنة بيقظة وانتباه يسمع منه ويتفقه عليه، ومثله يكون أكثر إقدامًا على مثل ذلك، والمالكية يفضلونه على باقي أصحاب مالك - رضي الله عنه - في الفقه (3) .

(1) الكوثري، بلوغ الأماني، ص16.

(2) الطاهر، منهج كتابة الفقه، ص64-65.

(3) الكوثري، بلوغ الأماني، ص17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت