أما في عصر الاهتمام بتدوين العلوم في متون في مختلف الفنون بعد أن رأى العلماء أنها الطريقة الفضلى في التعلُّم، فالطالب يحفظ المتن، وهو الأساس والقواعد لكلّ علم يكون فيه، فيتمكّن من استحضاره في أي وقت وزمان، ثم يكثر قراءة الشروح عليه حتى يكوِّن ملكةً في هذا العلم، ففه ألَّفَ برهان الشريعة (( وقاية الرواية في مسائل الهداية ) )، والنسفي (ت701هـ) (( كنزالدقائق ) )، وابن الساعاتي (ت694هـ) (( مجمع البحرين وملتقى النيرين ) )، والموصلي (ت683هـ) (( المختار ) )، وهذه المتون الأربعة مع (( الهداية ) )، و (( مختصر القدوري ) )انفردت باهتمام العلماء على ما سواها إذ وجدت عنايةً كبيرةً منهم، لا سيما (( الوقاية ) )، و (( الكنز ) )، فشروحها لا تحصى عددًا كـ (( شرح الوقاية ) )لصدر الشريعة، و (( تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ) )و (( البحر الرائق شرح كنز الدقائق ) )لابن نجيم، وشرح (( المجمع ) )لابن ملك، و (( الاختيار شرح المختار ) )للموصلي، وألف على هذه الشروح مئات الحواشي والتعليقات التي يضيق المقام عن ذكرها.
فأصحاب هذه المتون متفقون على الالتزام بذكر قول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، والراجح في المذهب في كل ما يوردون، ويهتمون كثيرًا جدًا بجمع مسائل كثيرة في متونهم، مع اختصار شديد في العبارة، ويختلفون في أن بعضهم يذكر بعض المسائل وبعضهم لا يذكرها، وكذا فيما هو الصحيح أو الأصح أو ما عليه الفتوى في المذهب كلٌّ على حسب اجتهاده، وعلى حسب الشائع في البلاد التي يعيش فيها، وأيضًا في ترتيب الكتب تقديمًا وتأخيرًا. وهذه الميِّزاتُ انفردوا فيها عن أصحاب المتون من المتقدِّمين، إذ قد يخرج صاحب المتن عن رأي المذهب في بعض المسائل، كما يقع ذلك من الطحاوي في (( مختصره ) ).