الصفحة 171 من 439

تقعيد القواعد وتأصيل الأصول بصورة أوسع من السابق؛ لتميّز علم الفقه عن غيره واتساع دائرته، فكان من أسباب تقليد أئمة الفقه المشهورين دون سواهم أنهم استطاعوا أن يستخرجوا أصولًا يعتمدون عليها في فتاواهم بهيئة أدق وأنظم من غيرهم؛ إذ أن ما عهد عنهم من مسائل تنتظم في سلك واحد لأصول معيّنة لا تخرج عنها، فكل الفروع المتشابهة ترجع لقاعدة واحدة، الأمر الذي جعل مَن بعدهم يقرّ لهم بالأحقية في التقليد والاتباع.

توسّع القول بالفقه التقديري والافتراضي لما سبق ذكره من تقعيد القواعد؛ إذ لا بدّ في تصحيحها من افتراض ما ينبني عليها من مسائل، إضافة للنضوج والتميّز الذي حصل للفقه في هذا العصر، حتى روي عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه وضع ثلاث وثمانين ألف مسألة، وروي عن الإمام الأوزاعي أنه وضع ستين ألف مسألة (1) . قال أبو زهرة - رضي الله عنه - (2) : (( إن أبا حنيفة - رضي الله عنه - لم يحدث الفقه التقديري، ولكنه نماه ووسعه وزاد فيه بما أكثر من التفريع والقياس… ) ).

وجذور الفقه الافتراضي ترجع إلى عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) (3) ، قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (4) - رضي الله عنه: (( فهذا الحديث نص قاطع في جواز فرض المسائل المحتملة الوقوع قبل وقوعها، وبيان حكمها إذا وقعت...وفيه السؤال بلفظ: أرأيت؛ فليست الأرأيتية؛ مستنكرة ولا مذمومة إلا فيما يدخل في المستحيلات وشبهها مما لا يتصور وقوعه ) ).

(1) أبو غدة، منهج السلف في السؤال عن العلم، ص49.

(2) أبو زهرة، أبو حنيفة، ص233-235.

(3) مسلم، الصحيح، ج2، ص163.

(4) أبو غدة، منهج السلف، ص33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت