فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن يُتَذرَّع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى…. ومعلوم أن التلفّظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلوّ، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن ولا ترتيبه ولا تأليفه ولا معانيه، فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين؛ إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة )) . وتوفي رحمه الله سنة (241هـ) .
أما بالنسبة للقول بأن الإمام أحمد كان محدثًا لا فقيهًا حيث لم يذكره ابن جرير الطبري في (( اختلاف الفقهاء ) )ولا ابن عبد البر في (( الانتقاء ) )ولا الأصيلي في (( الدلائل ) )ولا النسفي في (( الوافي ) )ولا القاضي عياض في (( المدارك ) ). فيجاب عنها بما يلي:
إنه كما كان له عناية في سماع الحديث وطلبه اهتم في أخذ الفقه عن أهله، فقد تلقى ثلاثة قَماطِر من العلم في ثلاث سنوات عن القاضي أبي يوسف واستفاد من كتب محمد بن الحسن دقائق المسائل، وأخذ عن أسد بن عَمرو صاحب أبي حنيفة، وتفقه على الشافعي عند مجيئه إلى العراق سنة (195هـ) ، وقد جمع علوم فقهاء الأمصار على سعة روايته في الحديث، حتى كان مرجع العلماء في السؤال عن مسائل أئمة الفقه، فكان أحمد بن الفرج يسأله عن مسائل مالك وأهل المدينة، وكان إسحاق بن منصور الكَوْسَج ـ راوية فقهه وفقه ابن راهويه ـ يسأله عن مسائل سفيان الثوري، وكان الميموني يسأله عن مسائل الأوزاعي، وكان إسماعيل بن سعيد الجرجاني الشّالَنْجي يسأله عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه (1) .
إن أقرانه ومعاصريه وغيرهم شهدوا له بأنه فقيه، وأنه من أفقه أهل زمانه كما سبق تسجيل أقوالهم عند ذكر ثناء العلماء عليه فلا حاجة للإعادة.
(1) الكوثري، المقالات، ص210.