إن ما وقع منه من مخالفة لبعض الأحاديث غير مختص به وحده، بل وجد هذا من كلِّ من اشتغل بالفقه؛ إذ أنه لا بدّ للمجتهد من أصول يحتكم إليها في استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، وهذا يقتضي منه تقديم بعضها على بعض؛ لنسخ أو تأويل أو غيره، وقال الليث بن سعد - رضي الله عنه: (( أحصيتُ على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلّها مخالفة لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) )، وعقب عليه ابن عبد البر (1) - رضي الله عنه - قائلًا: (( ولم نجد أحدًا من علماء الأمة أثبت حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمّ ردَّه إلا بحجّة كادّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلًا عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة - رضي الله عنهم - اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما يطول ذكره، وكذلك التابعون ) ). وأيّده السيوطي - رضي الله عنه - (2) فقال: (( والحاصل أنّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس، بل على ذلك عامّة عمل فقهاء الأمصار ) ).
المطلب الثاني: الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه:
أولًا: اسمه ونسبه وولادته: هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحميري الأصبحي المدني (3) ، ولد على المشهور سنة (93هـ) (4) .
(1) يوسف بن عبد البر (ت463هـ) ، جامع بيان العلم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1398هـ، ص148. وينظر: هامش الانتقاء ص184-186.
(2) ابن حجر الهيتمي، الخيرات الحسان، ص79-80.
(3) الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج8، ص48-49.
(4) أبو زهرة، مالك، ص19، والذهبي، سير أعلام النبلاء، ج8، ص49.