الصفحة 123 من 439

وهذه الملازمة لأهل كلِّ بلد لمن حلّ فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - وغيرهم من المجتهدين كانت لمعرفتهم بهم ووثوقهم بمروياتهم، فليس من السهل عليهم التحول عمَّا ألفوه وعرفوه وساروا عليه، كما أنهم لم يحسوا بالحاجة الملحة الشديدة إلى معرفة فقه غير بلدهم وبحث ما عند فقهائه، وهكذا نجد كل قطر يلتزم فتاوى وأقضية فقهائه، فأهل المدينة أكثر ما يتبعون عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وأهل الكوفة فتاوى ابن مسعود - رضي الله عنه - وتلامذته علقمة النخعي والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي، وأهل البصرة فتاوى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - وأنس بن مالك - رضي الله عنه - ومحمد بن سيرين، وأهل الشام فتاوى معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتلامذتهم كأبي إدريس الخولاني وعمر بن عبد العزيز، وأهل مصر فتاوى عبد الله بن عمرو بن العاص (1) .

قال ولي الله الدَّهْلَويّ (2) : (( انقضى عصره الكريم...، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد منهم مقتدى في ناحية من النواحي. فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلّة التي أدار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه الحكم حيثما وجدها لا يألو جهدًا في موافقة غرضه - صلى الله عليه وسلم - ) ).

(1) زيدان، المدخل، ص113، وأبو الحاج، المدخل، ص64.

(2) ولي الدين أحمد عبد الرحيم الدِّهْلَوِيّ (ت1176هـ) ، الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، دار النفائس، 1993مـ (ط8) ، ص22-23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت