فكان اجتهاد عمر - رضي الله عنه - معلقًا بتحقيق المناط ، فقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة في جميع مناحيه حتى صار فخرًا لمن ينتسب إليه، فعزّته بالإسلام الذي خيم على الأرض فيه استجلاب لقلبه أكثر ممّا سيقدّم له من مال، فلم يعد لدفع المال لهم من الزكاة حاجة (1) .
ثامنًا: شيوع الاتباع والتقليد، حتى سمّي مَن بعدهم بالتابعين، ولا يكون ذلك إلا لشدّة الملازمة والمتابعة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانوا عليه، فالصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة واستقرّوا فيها؛ ليعلموا الناس دينهم، ويفتوهم فيما جدّ عليهم من مسائل، وينقلوا لهم كلّ ما تلقوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وسنة وفقه.
فصار للصحابة - رضي الله عنه - في البلاد التي انتقلوا إليها أصحاب وتلاميذ يتعلمون على أيديهم وينقلوا علومهم وفتاويهم، وصار الغالب على أهل كلّ بلد فقه مَن عاش فيه من الصحابة - رضي الله عنه -، وكان حال العامّة هو التقليد لمذاهب هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - كلٌ على حسب ما يصل إليه من علم، ولا يصل إليهم في العادة إلا علم وفتاوى مَن هم بين أظهرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - في بلدتهم.
(1) د.محمد سعيد البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت، مؤسسة الرسالة،1402هـ (ط4) ، ص143-144، وعبد العزيز بن أحمد البخاري (ت730هـ) ، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، ج3، ص167.