ولو ترك الناس دون شرع يرجعون إليه، وقانون يحتكمون إليه لاستبد كل منهم برأيه، ولاْتبع هوى نفسه، ولسار وراء شهواته ورغباته، لأن الناس مختلفون في المشارب والنزعات، فإن لم توضع لهم الحدود التي تحدد حق كل واحد ماله وما عليه، فإن مصالحهم ستتعارض ومن ثم تنشأ الفوضى وتضطرب الحياة، وتكون الغلبة للأقوى ولاستبد القوي بالضعيف ولصارت الحياة في الجماعة غير مطاقة، ولاْنتفى العدل من المجتمع، ولقطعت الصلات الإنسانية بين الناس ، ولانتفى التعاون بينهم (1) .
قال - جل جلاله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة: 2] ، والبرّ هنا كلمة شاملة، وهي ترك المنكرات، والعفو، وفعل المأمورات وترك المحظورات، ويدخل فيها كل عفو وترك الانتصار، لأن العلاقات الاجتماعية إمّا تعاون على برّ وتقوى، أو تعاون على الإثم والعدوان، وينسحب هذا على أي مستوى من مستويات التعاون (2) .
(1) د. أحمد فراج حسين، المدخل للفقه الإسلامي، ص36.
(2) محمد سعيد حوى، الأساس في التفسير، القاهرة، دار الإسلام، 1999م (ط5) ، ج3، ص1312.