الصفحة 119 من 439

ثالثًا: حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الاجتهاد فيما جدّ من مسائل لمَن كان أهلًا لذلك، كما اتّضح ذلك في رسالة عمر - رضي الله عنه - لأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وكتابه إلى القاضي شريح - رضي الله عنه - السابق، وما ورد عنهم من النهي عن الرأي كقول عمر - رضي الله عنه: (( إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا ) ) (1) ، وقول ابن مسعود - رضي الله عنه: (( لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شرّ منه، لا أعني عامًا أخصب من عام، ولا أمطر من عام، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام وينثلم ) ) (2) .

فإنّه إن صحّ عنهم ما نسب إليهم من هذه الأقوال، فإنها محمولة على الرأي المذموم المخالف للدين القائم على الهوى دون استناد لنص وأصل وفهم شرعيّ للنصوص، بخلاف الرأي الممدوح المبيِّن لمراد الله - جل جلاله - في شرعه الكريم، ويؤيّد ذلك ما سبق ذكره مما ثبت عنهم من قولهم بالرأي وتشجيعهم عليه، وبذلك لا معارضة بين هذه الأقوال وتلك، ويدل على أن عمر - رضي الله عنه - إنما أراد من قال بالرأي قبل حفظ الأصول من الكتاب والسنة والإجماع قوله: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها, فقالوا بالرأي. فخص بالذم من ترك أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحفظها وأقدم على القول بالرأي قبل العلم بها (3) .

(1) الدارقطني، السنن، ج4، ص146، واللالكائي، اعتقاد أهل السنة، ج1، ص123.

(2) عثمان بن سعيد المقرئ الداني، (ت444هـ) ، السنن الواردة في الفتن، تحقيق: د. ضياء الله المباركفوري، الرياض، دار العاصمة، 1416هـ (ط1) ، ج3، ص517، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 180: رواه الطبراني في الكبير، وفي مجالد بن سعيد وقد اختلط.

(3) الجصاص، الفصول في الأصول، ج4، ص64-65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت