وبناء على ما تقدم لا بُدّ أن يتعامل الإنسان وبخاصة الدعاة بالرأفة واللين في الدعوة والفتوى، وأن يكون خطابهم إلى الناس بما يتناسب ويليق بالدعوة الإسلامية السمحة، فلا يسلكون طريق التسامح المؤدي إلى الانحلال، ولا طريق التشدد الذي ينفر ويهلك، لأن الاتجاه إلى أحد الطرفين يعتبر خروجًا على الوسطية والاعتدال التي يريدها الإسلام، قال - جل جلاله: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة: 185] .
ويتبيّن من الآية الكريمة والأحاديث الواردة أن الإنسان مدعو أيًا كان موقعه أن يأخذ الناس باللين واللطف والعطف، ولا يسلك بهم طريق الحرج والمشقة، ويعلم أن الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وأن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - طبق ذلك وما خير بين أمرين إلاّ اختار أيسرها.
والمعروف أن التطرف يؤدي إلى التنفير من الدين والتضييق على الناس؛ لأن هذا يؤدي إلى التشدد وعدم القدرة على تحقيق المراد؛ ولذلك يسلك كل إنسان الطريق التي تجلب التيسير وترفع الحرج.
والأمة الإسلامية أمة متوسطة قال - جل جلاله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة: 143] ، قال الطبري (1) في بيان هذه الآية: (( أرى أن الله - جل جلاله - إنما وصفهم بأنهم وسط، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، ولكنهم أهل توسط ) )، والوسط هو العدل والرفعة والتمسك بالحق والاجتماع عليه والعدل في القول والعمل، ومن مظاهر الوسطية:
التزام الجماعة من قادة الأمة وأهل الحلّ والعقد في كلّ عصر مع الابتعاد عن الزلل والخطأ والظلم، ولا تجتمع الأمة الإسلامية على ضلالة.
(1) الطبراني، تفسير القرآن، ج2، ص8.