الصفحة 109 من 439

ومن هنا يتضح مدى احترام الإنسان الداعية الواعي لأخيه الإنسان، وعطفه عليه واحترامه له، وشعوره معه، وذلك في الدعوة المثمرة البناءة، وهكذا هي دعوة الإسلام التي أظهر شعارها الله - جل جلاله -؛إذ بيَّن هدف إرسال رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء:107] ، والتشدد في القول والفعل يعتبر ضد الرفق، ويعتبر نقيضًا للدين. وقد دعا الإسلام إلى التوسط في كل أمر، قال - جل جلاله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة: 143] .

والوسطية تعني التمسك بالنصوص وعدم التطرف في فهمها وتطبيقها، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - من أشدّ الناس التزامًا بنصوص الشريعة الإسلامية الغراء، ومع ذلك لم يحصل منهم غلو أو تشدد، ومن هنا نجد أن التمسك بنصوص الشريعة الغراء الثابتة، وفهمها فهمًا صحيحًا وتطبيقها دون غلو أو تطرف هو عين الوسطية التي يبغي الإسلام انتهاجها، قال - صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) (1) .

والغلو هو الحدة في اللفظ والتشدد في الفعل، وعدم الرفق في الأمر قال - صلى الله عليه وسلم: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم) (2) ، فالتطرف مرفوضٌ ممنوعٌ سواء أكان ذلك في الاعتقاد أو في السياسة، أو في العمل، أو في الجدال والدفاع عن الرأي وعدم قبول الرأي الآخر، أو في الظن السيء بالآخرين، أو الغلظة والخشونة في التعامل معهم.

(1) النسائي، المجتبى، ج5، ص268، وابن ماجة، السنن، ج2، ص1008، وابن حنبل، المسند، ج1، ص215، وابن حبان، الصحيح، ج9، ص103.

(2) أبو يعلى، المسند، ج6، ص365، وأبو داود، السنن، ج2، ص693، والطبراني، المعجم الأوسط، ج3، ص258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت