إن الشريعة الغراء خالية من الهوى والجور؛ لذا جاءت بهذا المبدأ ليناسب كافة بني البشر بغض النظر عن أجناسهم وأعرافهم ولغاتهم وألوانهم؛ ولهذا أكدت الشريعة أن أساس التفاضل بين الناس هو العمل الصالح قال - جل جلاله: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات: 13] ، فالناس جميعًا متساويين أمام القانون في الحقوق والواجبات إلاّ فيما يتصل بالعقيدة، فهي تلزم المسلم بأداء الزكاة، ولا تلزم غير المسلمين بذلك، وتمنع المسلمين من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وتقرّ الذمي على ذلك.
ويطبق القانون في الشريعة على الجميع تحقيقًا للعدل والمساواة قال - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد الذي استشفع لامرأة من بني مخزوم سرقت: وقال له: (أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيهم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) (1) ، فالشريعة لا تميز بين الأفراد، وهم أمام القانون سواء، فلا فرق بين حاكم ومحكوم وشريف ووضيع، وقوي وضعيف.
وكان عمر - رضي الله عنه - حريصًا على التسوية بين الأشراف وغيرهم، وتذكرنا قصة جبلة ابن الأيهم بذلك حيث لطم أَعرابيًا كان قد داس على إزاره وهما يطوفان، ولَمَّا شكا الأعرابي أمره إلى عمر - رضي الله عنه -، أمر بالقصاص، ففزع جبلة وهو شريف أن يقتصّ منه الأعرابي، فهرب ولحق بأرض الروم وتنصر؛ ولهذا لا بد من سريان نصوص الشريعة الجنائية على الأشخاص، ولا يعفى منها أحد مهما كان مركزه أو غناه، أو جاهه، أو صفاته، ولا تسمح بتمييز شخص على آخر (2) .
(1) البخاري، الصحيح، ج3، ص1282، ومسلم، الصحيح، ج3، ص1311.
(2) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1، ص331-341.