وأما مسألة التسلسل في المفعولات فهو التسلسل الممكن لا الواجب، وكلام الشيخ الألباني لا يمنع الإمكان، وإنما نقطة النزاع هي: هل ورد في النصوص ما يحدد أن للمخلوقات أول أو لا، بغض النظر عن إمكانية ذلك قبل هذا المخلوق الذي يقال له أول المخلوقات، سواء كان القلم أو العرش أو غيرهما.
فأئمة السلف مجتمعون على أن الله تعالى لم يكن مسلوبَ الكمال في وقتٍ من الأوقات من كلامه وأفعاله، فقد سئل ابن عباس عن قوله: {وكان الله غفورًا رحيمًا} [النساء، آية:96] {عزيزًا حكيما} [النساء، آية:56] {سميعًا بصيرا} [لنساء، آية:58] فقال: (( لم يزل كذلك ) ) (1) . وذكره الحميدي بلفظ (( فإن الله جعل نفسه وسمى نفسه ذلك ولم يَنْحَلْهُ أحد غيره وكان الله: أي لم يزل كذلك ) )، وهذا معناه أنه إذا نحل ذلك غيره كان ذلك مخلوقًا بخلق ذلك الغير، فلا يخبر عنه بأنه كان كذلك، وأما إذا كان هو الذي سمى به نفسه، ناسب أن يقال إنه كان كذلك، وما زال كذلك، لأنه هو لم يزل سبحانه وتعالى، وهذا التفريق إنما يصح إذا كان غير مخلوق ليصح أن يقال لما كان هو المسمي لنفسه بذلك كان لم يزل كذلك (2) .
وكذا قال جعفر الصادق لما سئل عن قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا} [المؤمنون، آية:115] لم خلق الله الخلق؟ فقال: (( لأن الله كان محسنًا بما لم يزل إلى ما لم يزل، فأراد أن يضيف إحسانه إلى خلقه ) )أهـ، وكذلك الدارمي قال: كل حي لابد أن يكون فعالًا وما ليس بفاعل فهو ليس بحي فالحياة والفعل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود (3) . أ هـ.
(1) رواه البخاري في تفسير سورة فصلت، (8/555، 556) ، في الترجمة معلقًا عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ثم وصله في آخره .
(2) التسعينية لابن تيمية (2/578) .
(3) انظر: شرح هراس على النونية، (1/170) .