الصفحة 37 من 250

تحقيق مذهب الأشاعرة في التفويض والتأويل وغيرهما:

إن مذهب الأشاعرة والماتريدية اِنْبَنَىا في حقيقةِ أمرهِ على التلقي من العقل لا السمع شاء ذلك الدكتور عمر أو لم يشأ، وقد أوضح صاحبُ المسامرةِ حقيقةَ ذلك بِأَنَّ (( الشرع إنما يثبت بالعقل، فإن ثبوته يتوقف على دلالةِ المعجزةِ على صِدْقِ المبلِّغِ، وإنما ثبتت هذه الدلالةُ بالعقل، فلو أتى الشرعُ بما يُكَذِّبُ العقلَ وهو شاهدُهُ لبطل الشرعُ والعقلُ معًا ) ) (1) وعلى هذا بنى الرازي دليلَهُ الكليَّ في أساسِ التقديسِ (2) وسار عليه الأشعريةُ والماتريديةُ وطوائفُ كثيرةٌ.

والذي أحب أن أوضحه ههنا أن هذا الأصل في مصدر التلقي تفرع عنه الأصول الأخرى التي منها التفويضُ والتأويلُ وغيرُهما من المخارج التي يهرب بها المتكلمون من نصوص الشرع.

فإذا كانت الأدلةُ العقليةُ هي الأصلُ، وقد تقرر بموجبها كذا وكذا فأيُّ نص يخالف ذلك فلا بد أن يتم التعاملُ معه بحيث لا يخالف ما قرره العقل عندهم وذلك:

إما بتأويله بغريبِ الألفاظ ووحشيِّ الكلماتِ وإخراجه عن مراد قائله وإبعاده عن أن يتلقى منه الهدى والحق.

وإما برده بحجة كونه من أخبار الآحاد التي لا تثبت بها الحقائق وإنما تثبت الحقائق بالمقاييس العقلية التي أصَّلها من جاء بعد القرون المفضلة.

وإما القول بأن هذه النصوص من (( المجاز ) )وَزِدْ وانقُصْ وحَرِّفْ بلا حُسْبَان فكلها مجازاتٌ بغير النظر إلى سياق أو دلالة.

وإما القول بأن هذه النصوص (( دلالات لفظية ) )لا برهان تحتها وإنما البرهان فيما دلت عليه العقول لا غير.

وإما القول بِأَنَّ هذا ظاهر وهناك باطن، والظاهر لا يَحِلُّ تأويلُه لكنه حَلَّ لذي العرفان وصاحب الفلسفة والبرهان، وإنما جاء اللفظ هكذا لمصلحة الجمهور وأشار فيه إلى الحق إشارات خفية.

(1) المسامرة شرح المسايرة لابن الهمام، ص31 ، 32.

(2) أساس التقديس (ص:172 ، 173) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت