الصفحة 97 من 250

فلا يلزم يا دكتور عمر من حدوث كل فرد مع كون الحوادث متعاقبة لا يلزم من ذلك أنه لم يزل الفاعل المتكلم معطلًا عن الفعل والكلام، ثم حدث ذلك بلا سبب، كما لم يلزم مثل ذلك في المستقبل، فإن كل فرد من المستقْبَلاتِ المنقضية فانٍ، وليس النوع فانيًا كما قال تعالى: {أكلها دائم وظلها} [الرعد، آية:35 ] . وقال: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص، آية:54] ، فالدائم الذي لا ينفد أي لا ينقضي هو النوع، وإلا فكل فرد من أفراده نافد منقض ليس بدائم (1) .

بل حتى الرازي لم يرتضِ هذا الهراء فقال في المباحث المشرقية: (( لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد ثبوت الأول للكل إذ من الجائز أن يكون الكل مخالفًا لحكم الآحاد لأن كل واحد من آحاد العَشرة ليس بِعَشرة، والكل عشرة، فكل واحد من الأجزاء ليس بكل مع أن كلها كل، وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم مع أن مجموعها مستغرق لكل اليوم ) ) (2) .

ولعلك بعد فهمك ما تقدم يا دكتور عمر تدرك الخطأ الذي وقع في كلام ابن حزم الذي نقلته، فالإجماع منعقد على أن الله خلق الأشياء كلها كما شاء وأن النفس مخلوقة يعني خلافًا للفلاسفة، والعرش مخلوق خلافًا لمن زعمه علم الله، والعالم كله مخلوق خلافًا لمن جعله علة قديمة، لكن أين البرهان على أنه تعالى (( لم يزل وحده ولا شيء غيره معه ) )وإن شئت جعلت العبارة هكذا: أين البرهان على أنه تعالى كان لم يزل معطلًا عن كماله من الفعل والكلام حتى ابتدأ جنس ونوع الحوادث أو الحدوث أو الإحداث أو ما أشبه هذه العبارات، لا شك أنه ليس لديك يا دكتور عمر جواب على هذا كما لم يكن لأسلافك جواب عليه، فتعطيل الله عن كماله ليس أمرًا هينًا. {وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم} [ النور، آية: 15] .

(1) منهاج السنة (1/426 وما بعدها) ، تعارض العقل والنقل: 9/137 - 158.

(2) المباحث المشرقية (1/781) وقارن بالمطالب العالية (4/275) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت