أولًا: تصويرك للمسألة بداية يُفْهَمُ منه أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هو مركب من قولي الفلاسفة والفرق الإسلامية، كأنه أراد الجمع بين الفلسفة والشريعة، وما ذكرته عن البغدادي لا يفيدك ولا يُدْرَىا لماذا أقحمته في السياق، وذلك لأنه يتكلم عمن يزعم أن المعدوم له ثبوت في العدم قبل وجوده، وهذا باطل، لكن ما علاقة ذلك بمسألتنا إلا أن تشير إلى آخر الفقرة التي نقلتها وهي (( وقول هؤلاء يؤدي إلى القول بقدم العالم والقول الذي يؤدي إلى الكفر كفر ) )وكأنك تستدل بقوله على تكفير من قال (( بقدم العالم ) )وهذا نحن لا نخالف فيه باعتبار قِدَمِ العينِ، لأنه إذا كان العالم قديمًا عينًا. لم يكن مخلوقًا لله، لأن المخلوق المفعول متراخ عن الفاعل، وكأنك تلمز من قال بدوام أفعال الله بهذا القول الذي لم تحققه، فيا الله، والعجب كل العجب ممن نقل أسطرًا لا يدري في أي شيء هي، ولا لأي شيء أوردها، فلم يقل أحد من السلف إن الفرد من النوع قديم، ولا يلزم من قدم النوع قدم أفراده، بل لما قال (( سعد الدين التفتازاني ) )ذلك رد عليه (( الجلال الدواني ) )في شرحه للعقائد العضدية وعد ذلك (( سخافة ) )منه، لأن مراد الفلاسفة بالقدم قدم النوع بمعنى لا يزال فرد من أفراد النوع موجودًا بحيث لا ينقطع بالكلية، لكن حدوث كل فرد لا ينافي ذلك أصلًا وضرب لذلك مثلًا بالورد الذي لا يبقى منه فرد أكثر من يوم أو يومين مع أن (( نوع الورد ) )باق أكثر من شهر أو شهرين (1) .
(1) حاشية الكلنبوي: (1/108/109) .