لكنْ إذا كان في المنقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يحتاج إلى تمييز ومعرفة- وقد تختلف الروايات حتى يكون بعضها أرجح من بعض والناقلون لشريعته بالاستدلال بينهم اختلاف كثير - لم يستنكر وقوع نحو من هذا في غيره؛ بل هو أولى بذلك . لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، ولم يضمن حقظ ما يُؤْثَرُ عن غيره. لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يُعْرَفُ سبيلُهُ وهو حجتُهُ على عباده فلو وقع فيه ضلال لم يُبَيَّنْ لسقطت حجة الله في ذلك، وذهب هداه، وعميت سبيلُهُ؛ إِذْ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه؛ بل هذا الرسول آخر الرسل. وأمته خير الأمم. ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله. لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. حتى تقوم الساعة )) (1) .
ثالثًا: لقد نقلت يا د. عمر عن ابن عساكر العلاقة الوطيدة التي كانت بين الباقلاني والتميميين من الحنابلة وذلك في [ص66، ص76] ، وذلك لأن أبا الحسن وأبا الفضل التميميَيْنِ كانا على قرب من معتقد الباقلاني وعلى طريقة ابن كلاب، فإذا وضع أبو الفضل اعتقاد أحمد، وكان على طريقة ابن كلاب ويظنها حقًا، فماذا تنتظر بعد ذلك؟!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ولهذا توجد أقوال التميميين مقاربةً لأقواله [أي الباقلاني] وأقوال أمثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب، وعلى العقيدة التي صنفها أبو الفضل التميمي اعتمد أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما أراد أن يذكر عقيدته، وهذا بخلاف أبي بكر عبد العزيز وأبي عبدالله بن بطة وأبي عبد الله بن حامد، فإنهم مخالفون لأصل قول الكلابية ) ) (2) .
(1) مجموع الفتاوى، (4/167-69) .
(2) درء تعارض العقل والنقل، (2/27) .