فإذا كان القدرُ المشتركُ الذي اشتركا فيه صفة كمال، كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق لم يكن في إثبات هذا محذورٌ أصلًا، بل إثباتُ هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وُجودِ كلِّ موجودٍ، ولهذا لما اطلع الأئمةُ على أن هذا حقيقةُ قولِ الجهميةِ سموهم معطلة ... فإن نَفْيَ القدر المشترك مطلقًا يلزم منه التعطيل العام (1) .
وكثير من نصوص السلف في نفي التشبيه تكون مقرونة بالإثبات كما قال نعيم ابن حماد (( من شبه الله بشيء من خلقه كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه ) )وكما قال إسحق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاتِه بصفاتِ أحدٍ من خَلْقِ الله فهو كافر بالله العظيم، وقال علامة جهم وأصحابه: دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أُولعوا به من الكذب أنهم مشبهة، بل هم المعطلة (2) .
فالمشهور من استعمال هذا اللفظ (( نفي التشبيه ) )عند علماء السنة المشهورين أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله على النحو المتقدم.
وعليه يمكن فهم جمع النصوص الواردة عن السلف في ذلك.
ومن ذلك ما نقله د. عمر عن البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ومالك وسفيان والليث بإمرار النصوص كما جاءت بلا كيفية فهذا يقتضي الإثبات لا النفي كما تقدم وسيأتي زيادة بيان له (3) .
(1) الرسالة التدمرية ضمن مجموع الفتاوى (3/74-75) بتصرف يسير.
(2) شرح العقيدة الطحاوية ص120-121، وانظر ابن كثير 2/220 .
(3) في مبحث التأويل لأن نفي العلم بالكيفية لا يجامعُ التفويضَ المطلقَ وهذا واضح لمن تأمله لكنْ سبحان الله.