الصفحة 47 من 250

إن المطالع لكتب الرازي (( المطالب العالية ) )، و (( أقسام اللذات ) )، وكذا (( وصيته ) )، يعلم تمام العلم أن الرازي لم يكن رجوعه قط إلى اختيار التفويض على التأويل بل رجوع عن مناهج الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بـ (( الحكماء ) )ثم رجوعه عن مذهب المتكلمين، والظاهر أن هذا الرجوع كان تدريجيًا،فهو كان يرى صحة هذا المذهب، ثم رأى أن طريقة القرآن أقرب وأصوب، ثم رآها الأصلح وصرح بالندم على التوغل في الطرق الكلامية والفلسفية، بل وتمنى أنه لم يولد أصلًا.

ففي المطالب العالية لما ذكر أدلة وجود الله رجح طريقة القرآن ثم قال: (( ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي أنها أقرب إلى الحق والصواب، وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة ولسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات وكثرت السؤالات، وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد، وهو المنع من التعمق، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل، ومن ترك التعصب وَجَرَّبَ مثلَ تجربتي عَلِمَ أن الحق ما ذكرتُهُ ) ) (1) .

وفي وصيته المشهورة قال فيها: (( لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن ) )، ثم قال: (( ديني متابعةُ الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكتابي القرآنُ العظيمُ وتعويلي في طلب الدين عليهما ) ) (2) .

(1) المطالب العالية عن (( فخر الدين الرازي وآراؤه الفكرية والفلسفية ) )لمحمد صالح الزركاني [ط.دار الفكر] ص 198.

(2) تاريخ الإسلام للذهبي، (18/242-243) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت