مسألة الصفات الخبرية، فإنه قال: (( اختلفت مسالكُ العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها وإجراؤها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها والتزم هذا المنهج في آي الكتاب وما يصح من سنن الرسول- صلى الله عليه وسلم -، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقلًا اِتِّباعُ سلفِ الأمةِ، فالأَوْلَى الاتباعُ وتركُ الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. وقد درج أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة... ) ) (1) ، ورجوع الجويني في النظامية لم يكن رجوعًا كاملًا إلى مذهب السلف في جميع مسائل العقيدة وعلم الكلام، والدليل على ذلك:
أن رجوعه بالنسبة للصفات كان إلى التفويض، وليس هذا مذهب السلف (( تفويض المعاني ) ).
أن الجويني أبقى على بعض المسائل وعرضها كما هي في مذهبه الأول، ومنها مسألة حدوث الأجسام، وكلام الله، ومنع حلول الحوادث التي هي مسألة الصفات الاختيارية، والرؤية بلا مقابلة، كما أنه أول بعض الصفات مثل المحبة أولها بالإرادة، وفي الإيمان ذكر أولًا أنه التصديق، ثم ذكر عند الكلام على زيادة الإيمان ونقصانه قول السلف: إنه معرفة بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، وقال: (( هذا غيرُ بعيد في التسمية ) )، لكنه ذكر بعدُ القولَ الآخر؛ أنه التصديق، ولم يرجح بينهما (2) .
الرازي ورجوعه:
(1) النظامية، ص32-33.
(2) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود، 2/621.