غير أن كلام الهروي محتمل ولم يقل ابن القيم في المدارج أنه كلام الاتحادية بل هو مجمل مُوهِمٌ شأنُهُ شأنُ كلام الغزالي في الإحياء حيث ذكر في كتاب التوحيد والتوكل ما نصه: (( فإن قلت: كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدًا وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحدًا؟ فاعلم أن هذه غايةُ علومِ المكاشفاتِ. وأسرارُ هذا العلم لا يجوز أن تُسَطَّرَ في كتابٍ فقد قال العارفون إفشاَءُ سرِّ الربوبيةِ كفرٌ .. ثم شبه ذلك بالإنسان وروحه وجسده ثم قال وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارةً تدومُ وتارة تَطْرَأُ كالبرق الخاطف وهو الأكثر ... ثم ذكر كلام الحلاج في الفناء في التوحيد(1) ، ثم ذكر الاتحاد في الفعل وقال: وهكذا كان توحيد السالكين لطريق السالكين التوحيد في الفعل، أعني من انكشف له أن الفاعل واحد (2) أ هـ.
وهذه المواطن وغيرها من المشكلات على الأحياء، وقد نقل الزبيدي الاعتراضاتِ ومحاولةَ الردِّ عليها في شرحه، وعلى كلٍ فهي ألفاظٌ مجملةٌ مُوهِمَةٌ لكنها تصلح على مذهب د. عمر أن يوصف الغزالي عنده بالاتحاد سواءً بسواءٍ كما فهم هو من عبارة الذهبي عن قول شيخ الإسلام في بعض كلام الهروي ، ولشارح الطحاوية كلام لطيف في هذا إذ نقل بعض نَظْمِ الهروي في المنازل بعد وصفه له بشيخ الإسلام ثم قال: (( وإن كان قائله -رحمه الله- لم يرد به الاتحاد ، لكن ذكر لفظًا مجملًا محتملًا جذبه به الاتحادي إليه وأقسم بالله جَهْدَ أيمانِهِ أنه معه ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمالي فيها كان أحق ) ) (3) .
شارح الطحاوية والحنفية:
(1) إحياء علوم الدين، (( مع شرحه للزبيدي ) )12/19-22.
(2) السابق، 12/ص52 ، 53.
(3) شرح الطحاوية، ص98 ط المكتب الإسلامي.