الصفحة 23 من 250

ولذلك فقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية الميزان الصحيح في الحكم على الأشعري حيث قال (1) : (( لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ونحوهما من المثبتة للصفات ليس هو قولَ الجهميةِ بل ولا المعتزلةِ، بل هؤلاء لهم مصنفاتٌ في الرد على الجهمية والمعتزلة وبيان تضليل مَنْ نفاها، بل هم تارة يكفرون الجهميةَ والمعتزلةَ وتارةً يضللونهم ..."إلى أن قال":وابن كلاب إمام الأشعرية أكثرُ مخالفةً لجهم وأقربُ إلى السلف من الأشعري نفسه، والأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثالُهُ أقربُ إلى السلف من أبي المعالي وأتباعِهِ.. ثم ذَكَرَ أدلةَ ذلك ثم ذكر أن الأشعري انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلةُ كمسألة الرؤية والكلام وإثباتِ الصفاتِ وَنَحْوِ ذلك، لكن كانت خبرتُهُ بالكلام خبرةً مفصلةً وخبرتُهُ بالسنة خبرةً مجملةً، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغيرِ ذلك، والمخالفون له من أهل السنة والحديث ومن المعتزلة والفلاسفة يقولون: إنه متناقض، وإن ما وَاَفَقَ فيه المعتزلةَ يناقضُ ما وافق فيه أهلَ السنة، كما أن المعتزلةَ يتناقضون فيما نصروا فيه دينَ الإسلام فإنهم بنوا كثيرًا من الحجج على أصولٍ تُناقضُ كثيرًا من دين الإسلام، بل جمهورُ المخالفين للأشعري من المثبتة والنُّفاةِ يقولون: إن ما قاله في مسألة الرؤية والكلام معلومُ الفسادِ بضرورةِ العقلِ، ولهذا يقول أتباعُهُ: إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا في مسألة الرؤية والكلام فلما كان في كلامه شَوْبٌ من هذا وَشَوْبٌ من هذا صار يَقُوُل مَنْ يَقُولُ: إن فيه نوعًا مَنْ التجهم، وأما مَنْ قال: إن قوله قولُ جهم فقد قال الباطل، ومن قال: إنه ليس

(1) مجموع الفتاوى، (12/202) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت