الصفحة 219 من 250

والمعنى الثاني للنسيان: الترك عَنْ علم وعمد، مثل قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء..} [سورة الأنعام، آية: 44] الآية، ومثل قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى ءآدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما} [سورة طه، آية:115] . على أحد القولين، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في أقسام أهل الخيل: (( ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينسَ حق الله في رقابها وظهورها فهي له كذلك ستر ) ) (1) ، وهذا المعنى من النسيان ثابت لله عز وجل، قال الله تعالى: {فذوقوا بما لقيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم} [سورة السجدة، آية:14] ، وقال تعالى في المنافقين: {نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} [سورة التوبة، آية: 67] ، وفي (( صحيح مسلم ) )في كتاب الزهد والرقائق عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث، وفيه: (( أن الله تعالى يلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ملاقِيَ؟ فيقول: لا فيقول: فإني أنساك كما نسيتني ) ) (2) .

وتركه سبحانه وتعالى للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته، قال الله تعالى: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [سورة البقرة، آية:17] ، وقال الله تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذِ يموج في بعض} [سورة الكهف، آية:99] وقال: {ولقد تركنا منها آية بينة} [سورة العنكبوت، آية:35] . والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه. وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة. أ هـ.

(1) أخرجه البخاري، في المناقب بعد باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - صلى الله عليه وسلم - (6/633- ح3646) .

(2) أخرجه مسلم، في الزهد فاتحته، (4/2279-ح2968) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت