وقد أوضح شيخ الإسلام هذه القضية توضيحًا تامًا فقال: (( التأثير اسم مشترك، قد يراد بالتأثير الانفرادُ بالابتداعِ والتوحيدُ(1) بالاختراعِ فإن أُريدَ بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله، ولم يقله سني، وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال. وإن أريد بالتأثير نَوْعُ معاونةٍ إما في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات، فهو أيضًا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرةٍ أو فيلٍ، وهل هو إلا شِرْكٌ دونَ شِرْكٍ وإن كان قائلُ هذه المقالةِ ما نحا إلا نحو الحق.
وإن أريد أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله سبحانه وتعالى الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق الغيث بالسحاب، وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب، فهذا حق، وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات، وليس إضافةُ التأثيرِ بهذا التفسيرِ إلى قدرةِ العبدِ شركًا، وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا )) (2) .
ويعلق د. المحمود فيقول: (( وكلام ابن تيمية في هذين الموضوعين واضح تمام الوضوح، وفيه حل لإشكالات كثيرة، وما وجدت أحدًا قبل شيخ الإسلام - رحمه الله - بين هذا البيان في هذه القضايا المهمة التي كثر فيها الكلام، واختلط فيها الحق بالباطل. فلقد كان شرحه وافيًا، شافيًا، دقيقًا. وما وجدت مَنْ كتب في القدر ككتابة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله تعالى - ) ) (3) .
(1) هكذا في النص ولعلها: التوحد.
(2) انظر: مجموع الفتاوى (8/389-390) .
(3) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (3/1347) .