الصفحة 174 من 250

ولذلك كان أصح قولي العلماء أن الكلام يحتاج إلى قرينة لِيُفْهَمَ، وكل كلام بقرينتة حقيقة ولا مجاز فيه، ولذا لم يعرف القول بالمجاز في القرون المفضلة الأولى، (( وهذا الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، وهو لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز، بل لا يعرف في كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الأدلةَ الشرعية أنه سمى شيئًا منه مجازًا، ولا ذكر في شيء مِنْ كتبه ذلك لا في الرسالة ولا في غيرها ) ) (1) .

ولهذا فما أورده القائلون بالمجاز من إيرادات كجناح السفر وذيل الطريق ليس محلًا للنزاع حقيقة لأن واضع اللغة سواء قلنا توقيفية أو توفيقية وضع (( الجناح ) (( الظهر ) )للطائر والإنسان للمعاني المعروفة، ولم يضعهما مضافتين إلى السفر و الطريق، فهذا استعمال مضاف إلى غير ما أضيف إليه ذاك إذا كان مضافًا كما إذا قال القائل (( الخمسة ) )، حقيقية في الخمسة، وخمسة عشر مجاز كان جاهلًا، لأن هذا اللفظ ليس هو ذاك، وإن كان لفظ الخمسة موجودًا في الموضعين لأنها ركبت تركيبًا آخر (2) .

بل إن السكوت والفصل يعطي معنى غير الوصل، فالمتكلم تارة يسكت ويقطع الكلام ويكون مراده معنىً، وتارة يصل ذلك الكلام بكلام آخر يُغير المعنى الذي كان يدل عليه اللفظ الأول إذا جرد، فيكون اللفظ الأول له حالان: حال يقرنه المتكلم بالسكوت وترك الصلة، وحال يقرنه بزيادة لفظ آخر، ومن عادة المتكلم أنه إذا أمسك أراد معنى آخر، وإذا وصل أراد معنى آخر، وفي كلا الحالين قد تبين مراده وقرن لفظه بما يبين مراده (3) .

(1) الحقيقة والمجاز، لشيخ الإسلام ضمن مجموع الفتاوى (20/403) .

(2) السابق، (20/410) .

(3) السابق، (20/413) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت