والثاني: قول من قال: إن القرآن (( العربي ) )الذي بين أيدينا هو كلام الله حقيقة والمعنى القديم أيضًا كلام الله حقيقةً فهو مشترك لفظي.
وكلا الأمرين باطل رغم أنه لا يُعْرَفُ مَنْ خَلَطَ بينهما قبل الدكتور عمر.
أما الأول: فهذا يتوقف على معرفة المجاز، وأن المجاز يجوز نفيه، فإن الدكتور عمر جعل هذا فهمًًا غلطًا محضًا وقال: (( والتحقيق في الأمر أن المجاز من حيث إنه مجاز باعتبار علاقاته اللغوية لا يجوز نفيه مطلقًا، بل نفيه غَلَطٌ محضٌ، ويدل على عجزٍ في فهم كلام العرب ) ).
وهذه العبارة من د. عمر طنطنة لا عِلْمَ تحتها، لأنه إن أراد أن العلاقات اللغوية والقرائن تحدد معنى واحدًا للمجاز، فقد صار المجاز حقيقة عندئذ، وصارت القرائن تدل على الحقيقة، وهذا قول من نفى المجاز، فكل كلام بقرينته حقيقة، وهو المتبادر للذهن، فمن سمع أن خالدًا سيف من سيوف الله لم يفهم قط أن خالدًا صفيحة حديدية، ومن سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فرس أبي طلحة: (( وإنْ وجدناه لبحرًا ) )لم يتبادر لذهنٍ قَطُّ البحرُ المتلاطمُ الأمواج وما به مِنْ أسماك وأصداف .. كلا، ولذلك فالقول بأن الحقيقة هي ما يتبادر للذهن يلزم منه في واقع الأمر أن لا مجاز فلو قال إنسان (( رأيت أسدًا على المنبر ) )لفهم كل سامع أنه أراد الرجل الشجاع بقرينة (( على المنبر ) )، ولو فرضنا أن أسدًا حيوانًا مفترسًا صعد المنبر حقًا لاحتاج إلى قرينة أخرى حتى يفهم السامع أنه لم يُرِدْ الرجلَ الشجاعَ، كأن يقول: رأيت أسدًا في عرينه بحديقة الحيوانات على المنبر وما أشبه ذلك.