الصفحة 172 من 250

والرازي- وإن كان يقرر بعض ذلك- فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه في موضع آخر، لكن هو أحرص على تقرير الأصول التي يحتاج إلى معرفتها من الآمدي. ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقًا لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووجد صريح المعقول مطابقًا لصحيح المنقول.

لكنْ لم يعرفْ هؤلاء حقيقةَ ما جاء به الرسول، وحصل اضطرابٌ في المعقول به؛ فحصل نقصٌ في معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهى قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته، فالعجز يكون عذرًا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يُعَذَّبْ به.

وأما من قال من الجهمية ونحوهم: إنه قد يعذب العاجزين، ومن قال من العتزلة ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لابد أن يعرف الحق، وأن من لم يعرفه فلتفريطه، لا لعجزه، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضُهم بعضًا، ويلعن بعضُهم بعضا )) (1) .

هذا هو حال هؤلاء المضطربين، وقد تابعهم د. عمر في هذا التيه الفكري، فقرر أولًا: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم قال والمنزل على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عبارة عن حروف وكلمات مقطعات محدودات، وهو مُعَبِّرٌ عن الصفة القائمة بذات الله تعالى، وهذا أولُ الاضطراب، فإذا كان القرآن معبرًا به بالحروف والكلمات عن الكلام فليس هو (( كلام الله ) )، وإن كان هو كلام الله فليس معبرًا به، بل يكون قديمًا نوعه، وبحروف وأصوات، وهذا الاضطراب جعل الدكتور عمر يخلط بين أمرين:

الأول: قول من قال: إن القرآن (( العربي ) )الذي بين أيدينا هو كلام الله مجازًا.

(1) مجموع الفتاوى، (5/561- 563) ، (16/231) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت