وأما ما ختمت به كلامك يا دكتور عمر من أن الفطرة ليست نوعًا من المعارف، فيقال لك: إن الحديث لم يدل على أنه إذا خرج الطفل من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده فإن الله تعالى يقول {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا} [سورة النحل: آية،78] ، ولكن فطرتَهُ مقتضيةٌ موجبةٌ لدين الإسلام لمعرفته ومحبته.
فنفسُ الفطرة تستلزمُ الإقرار بخالقِهِ ومحبتِهِ وإخلاصِ الدينِ له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تَحْصُلُ شيئًا بعد شيء، بحسب كمال الفطرة، إذا سلمت عن المعارض وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد فإنه يُولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه. وهذا من قوله تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى} [سورة طه:50] ، وقوله: {الذي خلق فسوى - والذي قدر فهدى} [سورة: الأعلى: 302] ، فهو سبحانه خلق الحيوانَ مهتديًا إلى طلب ما ينفعُهُ، ودَفْعِ ما يضرُّهُ، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا بحسب حاجتِهِ. ثم قد يَعْرِضُ لكثيرٍ من الأبدان ما يُفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة والعادة الصحيحة.
وقد أطال شيخ الإسلام البحث في ذلك في كتابه القيم (( العقل والنقل(1) ، حيث قال رحمه الله:
قال ابن عبد البر (2) : (( وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة:الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخلقة التي خُلِقَ عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: (( كل مولود يولد على خِلْقَةٍ يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ) )يريد خلقةً مخالفةً لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك )) .
(( قالوا: لأن الفاطر هو الخالق ) ).
(1) العقل والنقل (8/384 ، 385) .
(2) في (( تجريد التمهيد ) )ص295-296.