الصفحة 151 من 250

إن ما تذهب إليه يا دكتور عمر في هذا الحديث لم تستحدثه بل سُبِقْت إليه لكن أتدري من سلفك في هذا؟، إنهم القدرية الذين يقولون إن الإنسان يخلق فعله، وصاروا يحتجون بهذا الحديث على قولهم الفاسد، وقد قيل للإمام مالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث فقال: احتجوا عليهم بآخره وهو قوله (( الله أعلم بما كانوا عاملين ) )، فبين أنه لا حجة فيه للقدرية، فإنهم لا يقولون إن نفس الأبوين خلقا تَهَوُّدَهُ وَتَنَصُّرَهُ، بل هو تهويد وتنصير باختياره، لكن كانا سببًا في ذلك بالتعليم والتلقين فإذا أضيف إليهما بهذا الاعتبار، فَلأَنْ يضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى، لأن الله وإن خلقه مولودًا على الفطرة سليمًا، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغيره وعلم ذلك (1) ، ثم إن هذا التفسير للفطرة بالإسلام هو تفسير الراوي الصحابي الجليل أبي هريرة، فإنه روى هذا الحديث ثم قال: اقرؤا إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [سورة الروم، آية:30] ، وقد أورد ابن جرير وَغَيْرُهُ في التفسير عن عكرمةَ ومجاهدٍ والحسنِ وإبراهيمَ والضحاكِ وقتادةَ في هذه الآية قالوا: دين الله الإسلام لا تبديل لخلق الله قالوا لدين الله (2) .

وأسلافُك المعتزلة يا دكتور عمر يقولون: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية أو تكون من فعل الله تعالى، والحديث لا يساعد هذا الفهمَ السقيمَ بل إن آخره أيضًا دليل على أن الله تعالى يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين أو يغيرونها فيصيرون كفارًا (3) .

(1) السابق، (8/362) .

(2) تفسير ابن جرير (10/183، 184) ط . دار الكتب العلمية.

(3) العقل والنقل (8/378) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت