فأولًا: رواية مسلم مؤكدة لباقي الروايات لا تخالفها، ولا تؤدي إلى هذا الفهم العقيم الذي ذكره بتكلف، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: (( يهودانه - ينصرانه - يمجسانه ) )ولم يقل (( يسلمانه ) )، بل (( وإن كانا مسلمين فمسلم ) )أي على الأصل، فهي مقررة للفطرة موافقة للروايات الأخرى التي فيها (( كل مولود يولد على هذه الملة ) )، فالربوبية حق والإنسان مفطور على الحق، فهو مفطور على الربوبية وفي حديث عياض بن حمار مرفوعًا يقول الله تعالى: (( إني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم ) ). وفي رواية لحديث عياض (( حنفاء مسلمين ) ) (1) ، والحنيفيةُ هي الإسلام، كما أنه لو لم يكن المراد بالفطرة في هذا الحديث الإسلام لما سألوا عقب ذلك: (( أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير ) )لأنه لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوه، و العلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير، وكذلك قوله: (( فأبواه ينصرانه ويمجسانه ) )بين فيه أنهم يغيرون الفطرة التي فطر الناس عليها، وأيضًا فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعةَ الخلق لا نقص فيه، ثم تجدع بعد ذلك فعلم أن التغيير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها، وأيضًا فإن الحديث مطابق للقرآن لقوله تعالى {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [سورة الروم،آية:30] ، وهذا يعم جميعَ الناس، فَعُلِمَ أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم أنها فطرةٌ محمودةٌ لا مذمومةٌ (2) .
(1) أخرجه مسلم (4/2197-2198) بدون لفظ (( مسلمين ) )، وحنفاء تدل عليها، وانظر: الكلام على هذه اللفظة في العقل والنقل (8/368-369) .
(2) العقل والنقل (8/371-372) .